فخر الدين الرازي
136
تفسير الرازي
ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلاً من دلائل الآفاق وهو قوله : * ( الله الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً ) * ( الروم : 48 ) وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلاً من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله ، فقال : * ( خلقكم من ضعف ) * أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى : * ( خلق الإنسان من عجل ) * ( الأنبياء : 37 ) ومن ههنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنياً أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى : * ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) * فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنيناً وطفلاً مولوداً ورضيعاً ومفطوماً فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله : * ( ثم جعل من بعد ضعف قوة ) * إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله ، وقوله : * ( ثم جعل من بعد قوة ضعفاً وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ) * . إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف ، ثم بين بقوله * ( يخلق ما يشاء ) * إن هذا ليس طبعاً بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق * ( فيبسطه في السماء كيف يشاء ) * ( الروم : 48 ) * ( هو العليم القدير ) * لما قدم العلم على القدرة ؟ وقال من قبل * ( وهو العزيز الحكيم ) * ( الروم : 27 ) فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله : * ( وهو أهون عليه ، وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) * ( الروم : 27 ) لأن الإعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الابداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر ، ثم إن قوله تعالى : * ( وهو العليم القدير ) * تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالماً بأعمال الخلق كان عالماً بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيراً علمه وإن عملوا شراً علمه ، ثم إذا كان قادراً فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم ، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال : * ( وهو العليم الحكيم ) * وإلى مثل هذا مثل هذا أشار في قوله : * ( فتبارك الله أحسن الخالقين ) * ( المؤمنون : 14 ) عقيب خلق الإنسان ، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم ، والخلق المفهوم من قوله : * ( الخالقين ) * إشارة إلى القدرة ، ثم لما بين ذكر الابداء والإعادة كالابداء ذكره بذكر أحوالها وأوقاتها . * ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ) * . قيل ما لبثوا في الدنيا غير ساعة . وقيل ما لبثوا في القبور ، وقيل ما لبثوا من وقت فناء الدنيا إلى وقت النشور * ( كذلك كانوا يؤفكون ) * يصرفون من الحق إلى الباطل ومن الصدق إلى الكذب .